أفاقت من سباتها المُظلم لتبصر محيطاً موحشاً أشدُّ عتمةً من سابقه , مظلم بالنسبة لها فقط .. تلمستْ وجنتها فوجدتها دافئة , لابد أن الصباح قد أرسل أشعته الشمسية لتمتص شيئاً من برودة عالمها الحالك !
نزعت غطائها الحريري ..نهضت تتلمس كل شيء .. المعطف الحريري ..الطاولة الملساء .. الستارة المصنوعة من الستان ..و كأي أنثى تمنت رؤية غرفتها التي لطالما أبهرت الناس !
باتت كل حواسها الناضبة تبحث عن ملمسٍ خشن .. تعبت لقاء المجهود الذي بذله جسدها ..داعبت أنفاسها المنهكة أطراف يدها التي لم تعرف لها لوناً ولا شكلاً ..لطالما كانت أنفاسها تقنعها أنها مازالت على قيد الحياة .. وأنها تدخل إلى رئتيها الصدئة هواءٌ تشارك به الناس .. تشعرها تلك أنها مازالت جزء من هذا الكون وأنها مازالت فرداً بعيداً عن قائمة الوفيات !
فتحت نافذتها لتندفع كل شذرات الماء والهواء مرحبة بها ..ضحكت لهذا الهجوم الخاطف.. بدأت جولتها الصباحية فراقبت كل شيء بلا عيونٍ , !
أحست بقلبها المُنهك يخفق بشدة .. ما لغريب في هذا اليوم ليصرخُ قلبها هكذا !
دخلت عليها ممرضتها لتنهرها بسبب تحركها من السرير , كأنهم يريدون إهمال إنسانيتها وسلب متعتها الوحيدة بسماع أبواق الحافلات التي تصحب كل من في عمرها إلى الجامعات المكتظة بالمعافين ..زقزقة العصافير التي كانت تصوغ أغانيها من أمل ..صراخ أب الجيران على أطفاله المدمرين !
تلك مساحتها الضيقة من الكون .هذه الفتحة كفيلة بأن تشعرها بأمل مشرق يساعدها على العيش !
………
من زاوية أخرى كان هو هناك يجري أبحاثه المُعقدة يمحصّها ويدققها .. أكواب القهوة في كل مكان تترك أثاراً على رسوماته المتناثرة.. تصل إلى شهاداته المتألقة على أسطُح جدران الغرفة .. كان هدفه أن يتوصل إلى كل شيء لم يتوصل إليه إنسان .. روحه تكمن بين الأرقام والرموز الطبية التي لم تبادله يوماً حباً ولا عطفاًُ .. يفتخر بعقله الذي رهنه للعلم !
أحياناً كان يجد متسعاً من الوقت ليتجول في الطرقات .. حين تسحره تلك الضحكات المجلجلة ..رائحة الذرة .. وألوان المثلجات ..ذلك العالم البسيط الذي يجتذبه !
ولأنهُ شخصٌ لا يعرفُ اليأس فقد حاولَ الولوج إلى عالمهم .. ولكنه بدا كالطفيلي.. بدا لهم بعينيه المتعمقتين الفاحصتين و بظهره المقوس وعدسات نظارته الغليظة غريباً عنهم .. بعيداً عن مشاكلهم .. عن همومهم .. فحين يقلق هو على طبقة الأمازون .. كانوا يقلقون على طبقهم الذي لم يصل بعد !
..تأملهم كثيراً .. بقعة وحيدة وطاولة منزوية تزينها أكواب قهوة مرّة ثقيلة عرفت أنها له كثقل لسانة ومرارة عواطفه .. هالة من الغموض تتحرك معه أينما ذهب ..بعينيّ الخبير يراقب تعابيرهم .. نفاقهم .. مجاملاتهم .. عطفهم .. وحتى صمتهم النادر حين يستغرقون بأفكار لم تلج يوماً في عقله !
ألم تبدو له الحياة كومة من أوراق وأرقام ومجموعة هائلة من الكتب , إذاً فلماذا يتذمر ؟ ولكن كتبه تلك لم تجالسه يوماً كما ينبغي .. لم تحتفل معهُ ً في أعياده و لم تشاركه أفراحه أو أتراحه !
ما هذه الترهات , لا بد أن عينيها هي السبب في انحراف أفكاره , ووجهها الحالم .. وابتسامتها الدافئة التي تجعل قلبه يضخ الدم إلى الأوردة بعنف , تجعله مشوشاً حائراً عن تفسير اضطراب جسده !
اليوم بدا مختلفاً , فهو عاجز عن النوم يفكر بها .. لم تكن تجربة تبقيه ساهراً.. أو معلومة تؤرقه .. بل كانت مخلوقاً حياً .. بل كانت بالأصح ” أنثى ” تشع جمالاً..
أنثى حائرة .. حالمة .. تتطلع دوماً إلى السماء بحب ..تختلف عن نظرات الكون الجشعه!
كان التفكير بها وبنظراتها المتفرقة تجعلهُ إنساناً .. يبدو أنه نسي بأن لهُ قلب ينبض .. ولكنهُ صباح هذا اليوم سمعَ خفقاتٍ حائرة !
تحسسَ قلبه .. وأنفاسهُ الحارة .. لم يستطع النوم ..شيء ما أجبرهُ إلى النهوض إلى حافة نافذته .. باحثاً عنها .. عن نظراتها البريئة .. !
كانوا جميعهم يمتلكون نفس النظرة الدنيئة .. ولكن عينيها بدت لهُ طاهرة كنقاء ماء الوضوء .
رفعَ عينية إلى السماء التي جذبتهُ إلى القمر .. كم بدا جميلاً في تلك الليلة..كم غيرته تلك الغريبة !
كان طفلاً يوماً يتأمل القمر .. لم يتأمله بل حللّه ..كان يتعاركُ دوماً مع نفسه .. فالقمر قد عرف بالجمال منذ أزمان .. ولكنهُ كان يراهُ بشعاً مليء بالنتوئات .. غريب اللون .. عوضاً عن سرقته لضوء الشمس .. ولكنه ادرك اليوم جمال القمر!
………………
تسربت خيوط الشمس لترسل الليل إلى هناك .. إلى مخلوقات انتظرت ظلام الكون بحرارة.. لتفرغ ما في قلوبها المثقلة بالأحزان ..لتتلذذ بالألم .. لتفرغ دموعها الملتهبة قاهرةً برودة الوسائد.. لتمزق أقلامها عروق الورق .. مخلوقات ألفت الوحدة رغماً عنها.. وسمحت لليل أن يكتشف من تكون خلف تلك الضحكات المبتهجة ..أن يمحوا ضحكاتها الزائفة .. أن يشوه أقنعتها المرحة .. ويخط ظلام الليل على جدرانه سؤالاً :
لماذا لا يتكّشف الحزن إلا حين ينام الفرح ؟داعبت حرارة الشمس عينيه .. فتحهما بتكاسل .. !
راقب نافذتها .. يبحث بشغف عن تلك الروح الكامنة خلفها ..صمت النوافذ المغلقة يصيبهُ بالإحباط ..سكنت عصافير الصباح ..رقدت أبواق الحافلات .. سكن كل شيء ينتظرها بجواره !
لكنها لم تظهر , لم تهدي الكون إحدى إبتساماتها المتفائلة .. انتظرها .. انتظر شموخ عينيها .. ولكنها لم تنثر سحرها كما تفعل .. قهره الصبر , ولم تفتح نوافذها !
هاتفه يرن , منبه الساعة يرن , قلبه يرن !
رفع يديه إلى قلبه ليخنقه , تمنى استئصاله , ولكنه ليس ورماً ينتشله بدقة من أجساد المرضى , أنه شيء آخر .. شيء مؤلم .. شيء .. شيء كالحب !
ثار قلبه وطاوعته قدماه ..تحرك غريزياً .. رغبة بالبقاء تجبره على البحث عنها .. ركض إلى بيتها .. إليها .. ليسرق لمحة من بسماتها .. نظرة من نظراتها !فتح الباب , وتأملته أجساد مدثرة بالسواد.. بحث عنها بينهم .. تأمل أعينهم .. وأصغى إلى أنين النساء .. لم يجد ابتسامتها .. بل وجد ووجوهاً عابسة وأخرى تصطنع الحزن وأخرى تشمئز من هيئته .. بحث عن قلبه فلم يجده .. وبحث عنها فلم يجدها أيضا ..تجمعت الدموع في مقلتيه .. فرت دمعة لتتلوها أفواج .. صرخ ليسكت برودة المقيت .. كانت صرخة كفيلة بإسقاط كل حصون قلبه .. كفيلة بدحر جبروت قلبه .. وسقط أخيراً .. سقط منتحباً .. يبكيها .. ويبكي نفسه .. يبكي قلبه الذي ما لبث جنيناَ حتى أجهض .. يبكي ذلك الوجه الذي أصبح بالنسبة إليه كالشمس التي لا تفارق مراسم الصباح.. يبكي جهلها بقلبه .. وبأنفاسه المحترقة عليها .. يبكي حبه الذي لم يعرف !لملم شتات نفسه , وتحول عنهم بصمت وبقايا دموع وليدة تملئ ممشاه.. لم يحاول شخص إيقاف ذلك الغريب .. الغامض الذي عكر عليهم أجواء العزاء !أوراق هنا وهناك تمثل كفنه.. أثار دمع .. وأثار جسد اختنقت فيه الروح .. رائحة قلب متعفن أهلكه الفقد.. وقبر لرجل لم يعرف أسمه
فقد عاش غريباً ومات غريباً وكان شهيداً للحب !
……….عبقرية العقل كانت أحياناً “نقمة للعظماء” !
…..
…..




